ملا محمد مهدي النراقي
228
جامع السعادات
فصل لا تنحصر الغيبة باللسان إعلم أن الغيبة لا تنحصر باللسان ، بل كل ما يفهم نقصان الغير ، ويعرف ما يكرهه فهو غيبة ، سواء كان بالقول أو الفعل ، أو التصريح أو التعريض ، أو بالإشارة والايماء أو بالغمز والرمز ، أو بالكتابة والحركة ولا ريب في أن الذكر باللسان غيبة محرمة ، لتفهيمه الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه ، لا لكون المفهم والمعرف لسانا ، فكل ما كان مفهما ومعرفا فهو مثله . فالغيبة تتحقق بإظهار النقص بالفعل والمحاكاة ، كمشية الأعرج ، بل هو أشد من الغيبة باللسان ، لأنه أعظم في التصوير والتفهيم منه ، وبالإيماء والإشارة ، وقد روي : " أنه دخلت امرأة على عائشة ، فلما ولت ، أومأت بيدها أنها قصيرة . فقال رسول الله ( ص ) : قد اغتبتها " . وبالكتابة إذ القلم أحد اللسانين ، وبالتعويض ، كأن يقول : الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على الظلمة ، والتبذل في طلب الجاه والمال ، أو يقول : نعوذ بالله من قلة الحياء ، ونسأله أن يعصمنا منه ، معرضا في كل ذلك بمن ارتكب ذلك ، فيذكره بصيغة الدعاء . وربما قدم مدح من يريد غيبته ، ثم اتبعه بإظهار عيبه ، كأن يقول : لقد كان فلان حسن الحال ولكنه ابتلى بما ابتلى به كلنا من سوء الحال ، وهو جمع بين الرياء والغيبة ، ومدح نفسه بالتشبه بالصلحاء في ذم أنفسهم . ومن المغتابين المنافقين من يظهر في مقام غيبة مسلم الاغتمام والحزن من سوء حاله ، كأن يقول : لقد ساءني ما جرى على صديقنا فلان من الإهانة والاستخفاف ، أو ارتكابه معصية كذا ، فنسأل الله أن يجعله مكرما أو يصلح حاله ، أو يقول : قد ابتلي ذلك المسكين بآفة عظيمة ، تاب الله علينا وعليه . وهو كاذب في ادعائه الحزن والكآبة ، وفي إظهار الدعاء ، إذ لو اغتم لاغتم بإظهار ما يكرهه أيضا ، ولو قصد الدعاء لأخفاه في خلواته فإظهار الحزن والدعاء ناش عن خبث سريرته ، وهو يظن أنه ناش عن صفاء طويته . هكذا يلعب الشيطان بمن ليس له قوة البصيرة بمكائد اللعين وتلبيساته ، فيسخر بهم ويضحك عليهم ، ويحبط أعمالهم بمكائده ، وهم